Sunday, 11 September 2016

نشأة علم الفقه (2)





نشأة علم الفقه (2)

ذكرت في المقالة السابقة الفقه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة (في المقالة الأولى اضغط هنا). ففي هذا اللقاء أذكر لكم الفقه في عهد التابعين وبعد عهد التابعين.

[الفقه في عهد التابعين]
وبالجملة فاختلفت مذاهب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ عنهم التابعون كل واحد ما تيسر له، فحفظ ما سمع من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومذاهب الصحابة وعقلها، وجمع المختلف على ما تيسر له، ورجح بعض الأقوال على بعض، واضمحل في نظرهم بعض الأقوال وإن كان مأثورًا عن كبار الصحابة، كما استفاض عندهم عن النبي صلى الله عليه وسلم على خلافه.
فصار لكل عالم من التابعين مذهب على حياله، فانتصب في كل بلد إمام، مثل: سعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله بن عمر في المدينة، وبعدها: الزهري ويحيى بن سعيد وربيعة بن عبد الرحمن فيها.
وعطاء بن أبى رباح بمكة، وإبراهيم النخعي والشعبي بالكوفة، والحسن بالبصرة، وطاووس بن كيسان باليمن ومكحول بالشام، فأظمأ الله أكبادًا إلى علومهم فرغبوا فيها، وأخذوا عنهم الحيث وفتاوى الصحابة وأقاويلهم، ومذاهب هؤلاء العلماء وتحقيقاتهم، واستفتى منهم المفتون، ودارت المسائل بينهم ورفعت إليهم الأقضية.
وكان ابن المسيب وإبراهيم النخعي وأمثالهما قد جمعوا أبواب الفقه أجمعها، وكان سعيد بن المسيب وأصحابه يذهبون إلى أن أهم الحرمين أثبت الناس في الفقه، وأصل مذهبهم فتاوى عمر وعثمان وقضاياهما، وابن عمر وعائشة وابن عباس وقضايا قضاة المدينة.
وكاد النخعي وأصحابه يرون أن عبد الله بن مسعود وأصحابه أثبت الناس في الفقه، فأصل مذهبهم فتاوى ابن مسعود وقضايا علي رضي الله عنه وفتاواه، وقضايا شريح وغيره من قضاة الكوفة.
ونظر كل فريق فيما اجتمع لديه نظر اعتبار وتفتيش، فما كان منها مجتمعًا عليه بين العلماء فإنهم يأخذون عليه بنواجذهم، وما كان فيه أن اختلاف عندهم فإنهم يأخذون بأقواها وأرجحها، وإذا لم يجدوا فيما حفظوه جواب المسألة خرجوا من كلامهم وتتبعوا الإيماء والاقتضاء، فحصل لهم مسائل كثيرة في كل باب.

[الفقه بعد عهد التابعين]
ثم أنشأ الله تعالى بعد عصر التابعين نشأً من حملة العلم، فأخذوا العلم عنهم، ونسجوا على منوال شيوخهم، فتمسكوا بالمسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم واستدلوا بأقوال الصحابة والتابعين، علمًا منهم أنها إما أحاديث منقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اختصروها فجعلوها موقوفة، أو يكون استنباطًا منهم من المنصوص واجتهادًا منهم بآرائهم، وهم أحسن صنيعًا في كل ذلك ممن يجيء بعدهم، وأكثر إصابة، وأقدم زمانًا وأوعى علمًا، فتعين العمل بها إلا إذا اختلفوا وكان حديث رسول الله يخالف قولهم مخالفة ظاهرة.
وقد أُلهموا في هذه الطبقة التدوين، فدون مالك، ومحمد بن عبد الرحمن ابن أبى ذئب بالمدينة، وابن جرير وابن عيينة بمكة، والثوري بالكوفة، والربيع بن صبيح بالبصرة.
وكان مالك أثبتهم في حديث المدنيين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوثقهم إسناداً، وأعلمهم بقضايا عمر، وأقاويل عبد الله في عمر وعائشة وأصحابهم من الفقهاء السبعة، وبه وبأمثاله قام علم الرواية والفتوى، ولما وسد إليه الأمر حدَّث وأفتى وأفاد وأجاد.
وكان أبو حنيفة- رحمه الله- ألزمهم بمذهب إبراهيم النخعى وأقرانه، لا يجاوزه إلا ما شاء الله، وكان عظيم الشأن في التخريج على مذهبه، دقيق النظر في وجوه التخريجات، مقبلاً على الفروع أتمَّ إقبال.
وكان أشهر أصحابه ذكرًا أبو يوسف- رحمه الله- وكان أحسنهم تصنيفًا وألزمهم درسًا محمد بن الحسن، وكان من خبره أنه تفقَّه على أبي حنيفة وأبي يوسف، ثم خرج إلى المدينة فقرأ «الموطأ» على مالك، ثم رجع إلى بلده فطبق مذهب أصحابه على «الموطأ» مسألة مسألة، فإن وافق منها وإلا فإن طائفة من الصحابة والتابعين ذاهبين إلى مذهب أصحابه فكذلك، وإن وجد قياسًا ضعيفًا أو تخريجًا يخالفه حديث صحيح مما عمل به الفقهاء ويخالفه عمل أكثر العلماء تركه إلى مذهب السلف مما يراه أرجح ما هناك، وهما لا يزالان على محجة النخعي ما أمكن لهما كما كان أبو حنيفة- رحمه الله- يفعل، ولذا عُدَّ مذهبًا مع مذهب أبى حنيفة واحدًا- مع أنهما مجتهدان مطلقان مخالفتهما له غير قليلة في الأصول والفروع- لتوافقهم في هذا الأصل.
ونشأ الشافعي- رحمه الله- في أوائل ظهور المذهبين وترتيب أصولهما وفروعهما، فنظر في صنيع الأوائل فوجد فيه أموراً كَبَحت عنانه عن الجريان في طريقهم، منها: أنه وجدهم يأخذون بالمرسل والمنقطع فيدخل فيهما الخلل، ومنها أنه لم تكن قواعد الجمع بين المختلفات مضبوطة عندهم فتطرَّق بذلك خلل في مجتهداتهم، فوضع لها أصولاً ودوَّنها في كتاب، وهذا أول تدوين كان في أصول الفقه، ومنها أن أقوال الصحابة جمعت في عصر الشافعي فكثرت واختلفت وتشعبت، ورأى كثيرًا منها يخالف الحديث الصحيح حيث لم يبلغهم، ورأى السلف لم يزالوا يرجعون في مثل ذالك إلى الحديث، فترك التمسك بأقوالهم ما لم يتفقوا، وقال: هم رجال ونحن رجال. ومنها أنه رأى قومًا من الفقهاء يخلطون الرأي الذي لم يسوغه الشرع بالقياس الذي أثبته، فلا يميزون واحداً منها عن الآخر.
وبالجملة فإنه - رحمه الله- لما رأى هذه الأمور أخذ الفقه من الرأس فأسس الأصول وفرع الفروع ونف الكتب فأجاد وأفاد، واجتمع عليه الفقهاء، ثم تفرقوا في البلدان فكان هذا مذهب الشافعي.

0 komentar:

Post a Comment